المتحف الاحمر في السليمانية



Rating  0
Views   43344
رحاب حسن الحسيني
31/10/2012 11:29:31

رغم مرور سبعة عشر عاما على تحرير مدينة السليمانية وسائر مدن اقليم كردستان العراق من سطوة النظام السابق إثر الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في مارس (آذار) عام 1991 إلا ان إحدى قلاع الرعب التي خلفها نظام البعث الذي اشتهر بقسوته المفرطة والفريدة ما زالت تذكر سكان السليمانية يوميا بحقبة مظلمة ودموية من تاريخ مدينتهم التي ذاق أهلها أصنافا نادرة وفظيعة من التعذيب والبطش والتنكيل والقتل العشوائي في الشوارع على ايدي رجال جهاز «الامن الاحمر» الذي ما برح مبناه منتصبا على مساحة اكثر من 3 آلاف متر مربع في قلب المدينة كرمز للظلم والاضطهاد. زنزانات التعذيب ودهاليز السجن الانفرادي في تلك القلعة المخيفة الشهيرة بدائرة «الامن الاحمر» نسبة الى الطلاء الاحمر الذي اصطبغ به مبناها، ربما كإيحاء مقصود من السلطة لخصومها بمدى بشاعة ودموية ذلك الموقع، تحولت الى متحف يدعى «المتحف الوطني للثورة وضحايا الشعب الكردي ـ لكي لا ننسى». ويبدو لمن يزور هذا المتحف للمرة الاولى وكأنه يدخل الى ثكنة عسكرية في عهد صدام بكل تجلياته المخيفة، فبمجرد الدخول الى باحة المتحف تتثاقل الخطى لا إراديا عند مشاهدة أرتال من الدبابات والمدرعات والمضادات الجوية وقطع المدفعية الثقيلة المتراصة في طوابير طويلة تمثل بقايا الترسانة التي كانت تحمي هذه القلعة ذات يوم وتعزز من جبروت وسطوة تلك السلطة القاسية. وفي الجهة اليسرى من تلك الترسانة المستهلكة هناك جناح يضم في رواقه الامامي معرضا لصور فوتوغرافية لمقاتلي البيشمركة الاكراد ايام كفاحهم المسلح واخرى للمنتفضين الذين اجهزوا على هذا المبنى المحاط بسور عال تعلوه الاسلاك الشائكة طبقا لما كان عليه الوضع سابقا، والضحايا الذين سقطوا جراء المصادمات المسلحة العنيفة على مدى ثلاثة ايام مع عناصر الاجهزة العسكرية والحزبية والمخابراتية والامنية الذي اتجهوا من أرجاء المدينة للاحتماء في ذاك المبنى الذي كان بمثابة القلعة الحصينة بالنسبة لهم، وقد ابدوا مقاومة مستمية في مواجهة المنتفضين على امل وصول الامدادات والدعم العسكري من بغداد ولكن دون جدوى.
في الغرفة المقابلة للنافذة العلوية كان “احمد صناعة” يقف شامخا بتسريحة شعره الذي أنسدل على كتفيه مثل  قمر ابيض، اخذت الى نفسي زاوية قصية، وبدأت انصت للصوت الرخيم، وهو ينشد نشيد مهاباد محفزا على نهوض الاخرين، تبدأ الاصوات بالتصاعد رويدا.. رويدا وبسمو بطل حقيقي يبتسم احمد وتبدأ الشفاه بتلاوة خطوب النضال، وحلم التحرر، كان السؤال قد ملأ الافئدة وطاف في ارجاء المكان الذي هو امن السليمانية.السابق. اقبية، وغرف سرية، وادوات تعذيب، وتحد..
امتلأت الافئدة بلب السؤال او ليس خشخشة الحديد الذي من عزف القبان “يمسك الحديد فيشعر بالبرد يسري الى اعماق جسده”..
بخجل قلت، كيف يمكن لي ان ادخل هذا المحج العجيب.. وكيف يمكن ان اروي تفاصيل الوقت والارواح؟ في لحظة تساقط الرصاص، وفي لحظة اخرى، امتلأت العيون بالدموع قال: “ارش صابر” تقدم فتقدمت لاعلن سلامي الى تلك المرايا التي تحيط المكان، والى الاقمار البهية التي تعلوه قال”ارش انظر فاطرقت.  الصمت هدوء وانتظار، والمكان رغم ما فيه من الاضاءة والمرايا، الاانك تشعر انه مكان مغموم، او هو صندوق حكايا، اراد لها البعض ان تمضي لكنها اثرت البقاء وراحت تتشبث بقوة بروح الكبرياء، “خمسة الاف” هي عدد القرى التي دمرت اثناء الانفال.. زحام الارواح التي كانت تسأل لماذا.. ومن اجل ماذا ؟
خمسة الاف قرية.. انا اتوهم الضوء، اتوهم ان ربيعا اخر قد مر فوق هذه القرى التي اصبحت قناديل وازمنة..
لم.. قلت فانصت الى “احمد صناعة” لن اروي حكايته الان، رغم اني اجلس بين يديه، وامسد بياض شعره واحدق طويلا في ملامح وجهه الجبلي.
مر طائر صغير، وقبل حديد النافذة، نظرت اليه، وابتسمت، احمد او كان هو قت “ارش صابر” قال الطائر يعرفني.. آه الطائر قد رحل.. ليعود في ذات الوقت من اليوم القادم..











وصف الــ Tags لهذا الموضوع   المتحف الاحمر